هل يمكن للإنسان أن يكون متدينا و مقبلا على الدنيا سعيدا فيها ؟

🔴 نجم الدين سيدي عثمان -إعلامي جزائري .

▪️قبل سنوات عرفت شابا من مدينة سطيف ساقه الرزق إلى قسنطينة، ملتح، يقصّر ثوبه، يلبس القميص ولكن يرتدي فوقه سترة ثمينة وجميلة، ينتعل حذاءً رياضيا بعلامة “NIKE”، يملك هاتفين من آخر صيحة ويركب سيارة “ڨولف 6” في وقتها.
كان متدينا فعلا وقولا، يؤدي كل الصلوات في المساجد، صوام قوام، دون أن ينسى نصيبه من الدنيا فزيادة على ما سبق ذكره، كان يعتني بقطة ويحب النباتات والطيور وكرة القدم و”الماركة” وأطايب الطعام، ضاحك، مستبشر لا ينسى أن يٌظهر في معاملاته (تاجر يملك محلا كبيرا) مع الناس صورة جميلة عن تدين إنساني جميل.
ما لفتني أكثر أنه كان مقبلا على الحياة بفرح، ومن يومها ظللت أطرح السؤال.
🔸هل يمكن للإنسان أن يكون متدينًا ومقبلا على دنياه سعيدًا فيها؟ هل على الإنسان أن يٌدبر عن الدنيا ويعيشها زاهدًا متشائمًا نائيا عن الناس، ينظر إليهم على أنهم هلكى وأنه ناجٍ؟
▪️ظل السؤال يدور في عقلي إلى أن صادفتني آية قرآنية أجابتني على هذا السؤال، ومعه آخر حيرني، لماذا لا يحظى الكثير من الأثرياء والمشاهير بحياة سعيدة، فيعيشون حياتهم يتخبطون في براثن الهم؟
لقد سعوا وخططوا لهذه الحياة (الثراء، الشهرة، الحظوة والمكانة) وعندما حصلوا على ما أرادوا عاشوا التعاسة بكل صورها!
تؤكد بوضوح، الآية القرآنية التي قرأتها، أنه يمكن للإنسان فعلا أن يعيش حياة طيبة في دنياه، لكن الله يقرن ذلك بأمرين إثنين لا مفر منهما.
🔴العمل الصالح + الإيمان.
من جمع بينهما حصّل سكون نفسه وطمأنينتها، وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه، ففاز بالحياتين.
📍هل الإيمان ضروري؟
حلو لمن وجده، مريح للقلب وللأعصاب، مطهر من الحسد والحقد والكبر والعجب والفسق والجور والغلظة والأنانية، فالمؤمن الحقيقي هو أبعد الناس عن الأمراض النفسية والشعور بالوحدة والخوف والقلق من مفاجآت المستقبل، لأنه على يقين أنه حين يأوي إلى ربه فهو يأوي إلى ركن شديد، وأنه ما دام في صحبته فهو في أنس ونور.
إن ما ينقص الكثير من الأثرياء والمشاهير وقد عرفت البعض منهم ممن انخرطوا في الحياة ونزواتها، هو الإيمان، إنه يعوز أيضا من جعلوا الحرية دون قيود (الحرية الفوضوية) شعارهم في الحياة، دون أن يدركوا أن (من لم يضبطه قيد، عاش في قيد الكآبة)
📍ما هو العمل الصالح؟
يقول الشيخ البوطي “كل عمل يفيد المجتمع الإنساني فهو من العمل الصالح”.
يعتقد الكثير من الناس أن العمل الصالح ينحصر في العبادات والفرائض، في حين أن دائرته أوسع من ذلك بكثير، فهو يشمل الحياة كلها، فكل ما يعود بالنفع على الإنسان والكون والحياة يُعد من العمل الصالح، فالتطوع والكلمة الطيبة والرفق بالحيوان وعيادة المريض، والعمل الخيري وحل مشكلات الناس كلها من العمل الصالح.
▪️جرب أن تساعد شخصًا وستجد أن نفسيتك تحسنت وتقديرك لذاتك يزيد ومشاكلك تذوب، من هذا المنطلق، فهم كثير من مشاهير العالم الأمر فانخرطوا في التطوع، وأسسوا الجمعيات الخيرية وبذلوا أموالهم لأجل المحتاجين كما يفعل بيل ڨيتس ووران بافت، وغيرهم ممن وجدوا لهم هدفًا ساميًا في الحياة.
وعلى العكس تماما من ذلك، نجد أن المشاهير الذين تتسم حياتهم بالأنانية والتمركز حول الذات هم أكثر عرضة للاكتئاب، لأنهم لا يفكرون سوى في أنفسهم، لا يرون أحدًا سواهم ويزيد متابعوهم ومشجعوهم في تضخم الأنا عندهم، لكن كل رصيد الحب والمال والمكانة والشهرة لا يعصمهم من الكآبة القاتلة، فتضيع البوصلة بسبب الخواء الروحي والشتات الوجداني، ويبدأ إدمان المخدرات والكوكايين..
📍ما هي الوصفة السحرية؟
الآية الجميلة التي تدبرت فيها، هي قوله تعالى (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).
⬅️الوصفة واضحة وبسيطة، كما أنها وعد رباني بطيب العيش في الحياة الدنيا، لذلك لا أتفاجأ عندما أرى فقيرا معدما مطمئن البال والخاطر، بينما لا يرتاح أثرى الأثرياء، فالسر إيمان برب عظيم وعمل صالح وإن كان بسيطا كسقاية شجرة أو كلمة طيبة أو خلق جميل كالتواضع وحب الخير .
تذكرت معكم الشاب السطايفي الرائع، كان يقول لي “في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة” لا أعرف أين هو،أتمنى أن يكون بخير.
▪️اللهم ثبتنا على دينك ما أحييتنا، ولا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، واجعلنا من المتدبّرين لكتابك، وأحسن خاتمتنا فإنّنا بآياتك مُصَدِّقين..

شاهد أيضاً

عقل أصغر من جُحر الضَّبِّ !
“فقهٌ” ريسونيٌّ..

محمد الهادي الحسني _ كاتب جزائري . • الدكتور أحمد الريسوني يُعدّه بعض العلماء والأساتذة …